القاضي عبد الجبار الهمذاني

32

المنية والأمل

أخرجهما وقطع أيديهما وأرجلهما ، وقال لغيلان : « كيف ترى ما صنع بك ربك ؟ فالتفت غيلان فقال : « لعن اللّه من فعل بي هذا » « 1 » ، واستسقى صاحبه ، وقال بعض من حضره : « لا نسقيكم حتى تشربوا من الزقوم » ، فقال غيلان : « ولعمري ! لان كانوا صدقوا ، إن الذي نحن فيه ليسيّر في جنب ما نصير إليه بعد ساعة من روح اللّه ، فاصبر يا صالح . ثم مات صالح وصلى عليه غيلان ، ثم أقبل على الناس وقال : « قاتلهم اللّه : كم من حق أماتوه ، وكم من باطل قد أحيوه ، وكم من ذليل في دين اللّه أعزّوه ، وكم من عزيز في دين اللّه أذلّوه » . فقيل لهشام : قطعت يدي غيلان » ورجليه ، وأطلقت لسانه ، إنه قد أبكى الناس ونبههم على ما كانوا عنه غافلين ، فأرسل إليه من قطع لسانه ، فمات رحمه اللّه . فذكر أبو الهذيل في إسناد له : أن امرأة في تلك القرية قتل ابنها بنحو من أربعين سنة ، وكانت على مسكة من دينها ، اتخذت المسجد بيتا لا تنصرف إلا إلى الأوطار ، أو تقوم لصلاة أو وضوء ، فانتبهت في ذلك اليوم مبتسمة فظن أهلها أن الجنون قد تكامل بها . فقالت : « لقد رأيت عجبا ! كأن ابني أتاني ، وقال : إن اللّه أحضر أرواح الشهداء لقتل رجل في مكان كذا ، فانظروا هل ترون قتيلا » ، فسارع أهلها ، فإذا غيلان يشحط في دمه . ومن هذه الطبقة واصل بن عطاء « 2 » . قال المبرد : « ويكنى بأبي حذيفة ،

--> ( 1 ) لعل رد غيلان على هشام في هذا المقام يوضح حقيقة ومعنى القدر ، بمسئولية الإنسان عن أفعاله وعدم نسبتها إلى اللّه سبحانه وتعالى حسنة أو قبيحة ، وانما تقدر القدرة الإلهية الانسان وتبقى لها المشيئة إذا أرادت فتعطل الفعل الإنسانى وتفعل قضاء أو لطفا . ( 2 ) واصل والواصلية : كان لواصل أتباع حيث كان رأس المعتزلة وزعيمهم بعد معبد الجهني ، ولقد ذكرت في الصفحة الثالثة القصة الخاصة به وحسن البصري في كتاب المنية والأمل هذا وأرجع مؤلفه سبب تسميتهم بالمعتزلة إلى اعتزال وأصل مجلس الحسن البصري . ولقد فارق وأصل السلف بوجهة نظر خاصة وهي : ( 1 ) أنه وجد أهل عصره مختلفين في علي وأصحابه ، وفي طلحة ، والزبير ، وعائشة ، وسائر أصحاب الجمل . فزعمت الخوارج أن : طلحة والزبير ، وعائشة وأتباعهم يوم الجمل كفروا بقتالهم عليا ، وأن عليا كان على حق في قتال أصحاب الجمل ، وفي قتال أصحاب معاوية بصفين إلى وقت التحكيم ، ثم كفر بالتحكيم وكان أهل السنة والجماعة يقولون بصحة إسلام الفريقين في حرب الجمل . وقالوا : إن عليا كان على الحق